محلي

الدبلوماسية الموازيه و حضور الدولة

سلام جاسم الطائي / كاتب وباحث بالشأن السياسي

في عالم السياسة والعلاقات الدولية، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من جيوش أو ثروات، بل بقدرتها على بناء لوبيات فاعلة تدافع عن مصالحها في العواصم المؤثرة ومراكز القرار الدولية. فالدول الناجحة تمتلك مؤسسات ضغط وعلاقات استراتيجية تعمل بهدوء واحترافية من أجل حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية والإعلامية.

أما المشكلة التي يعاني منها العراق منذ سنوات، فهي غياب “لوبي الدولة” الحقيقي مقابل حضور لوبيات الأحزاب والأشخاص الانتهازيين . فبدل أن يكون هناك صوت موحد يدافع عن العراق بوصفه دولة ذات سيادة ومصالح عليا، نجد أصواتًا متعددة تتحرك وفق الحسابات الحزبية أو الشخصية، ما أدى إلى تشتيت الموقف العراقي وإضعاف حضوره الخارجي.

إنّ لوبي الدولة يعني العمل من أجل العراق أولًا، بعيدًا عن الانقسامات والصراعات الداخلية. يعني بناء شبكة علاقات سياسية واقتصادية وإعلامية تخدم الشعب العراقي، وتدافع عن صورته، وتشرح مواقفه، وتجذب الاستثمارات، وتحمي قراره الوطني من التأثيرات الخارجية.

فالعالم اليوم لا يتعامل بالعواطف، بل بالمصالح والنفوذ والتأثير. والدول التي لا تمتلك أدوات ضغط فاعلة، تصبح ساحةً لتأثير الآخرين بدل أن تكون لاعبًا مؤثرًا في صناعة القرار.

ومن المؤسف أن بعض القوى السياسية انشغلت بتقوية حضورها الخارجي الخاص، بينما بقيت مؤسسات الدولة العراقية تفتقر إلى استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة علاقاتها الدولية. لذلك نرى أحيانًا أن بعض الشخصيات أو الأحزاب تمتلك قنوات تأثير أكبر من مؤسسات رسمية يفترض أنها تمثل العراق بأكمله.

إنّ المرحلة المقبلة تتطلب إعادة التفكير بمفهوم العلاقات الخارجية العراقية، والانتقال من عقلية التنافس الحزبي إلى عقلية بناء النفوذ الوطني. فالعراق بحاجة إلى لوبي دولة، لا لوبيات متصارعة، بحاجة إلى مشروع وطني موحد يُدار بعقل الدولة لا بمنطق المكاسب المؤقتة.

فحين يكون للعراق صوت واحد في الخارج، ومصلحة واحدة، ورؤية وطنية واضحة، سيكون قادرًا على استعادة مكانته الطبيعية بوصفه دولة محورية تمتلك التاريخ والجغرافيا والإمكانات، لا مجرد ساحة تتصارع فوقها الإرادات المختلفة

زر الذهاب إلى الأعلى