
سلام جاسم الطائي / كاتب وباحث بالشأن السياسي
في خضمِّ التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، جاءت كلمة السيد مجتبى الخامنئي لتؤكد أن الجمهورية الإسلامية في إيران لم تعد تتعامل مع الأحداث بوصفها أزماتٍ طارئة، بل باعتبارها جزءاً من معركة استراتيجية طويلة لإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط، وإنهاء مرحلة الهيمنة الأمريكية التي حكمت المنطقة لعقود.
الخطاب الذي حمل أبعاداً عقائدية وسياسية وعسكرية، لم يكن مجرد استحضارٍ لذاكرة الثورة الإسلامية، بل قراءةً للواقع الحالي وربطاً مباشراً بين انتصار الثورة قبل أكثر من أربعة عقود وبين مرحلة “الانتصار الكبير” لمحور المقاومة في مواجهة المشروع الأمريكي والإسرائيلي.
فحين تحدث السيد مجتبى الخامنئي عن أن الشعب الإيراني “خلع ثوب الخضوع” واستجاب لنداء الإمام الخميني، فإنه أراد التأكيد على أن ما يجري اليوم هو امتداد طبيعي لذلك التحول التاريخي الذي نقل إيران من دولة تدور في الفلك الغربي إلى قوة إقليمية تمتلك مشروعاً سياسياً وعسكرياً وعقائدياً مؤثراً في المنطقة.
وخلال السنوات الماضية، راهنت الولايات المتحدة وحلفاؤها على إنهاك إيران عبر العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي والضغوط العسكرية، لكن التطورات الميدانية الأخيرة أظهرت أن طهران استطاعت تحويل الضغوط إلى عناصر قوة، عبر بناء شبكة تحالفات إقليمية مترابطة، وتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية، ولاسيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.
ومن هنا، فإن حديث السيد مجتبى الخامنئي عن “سلاح الله الأكبر” لا يقتصر على البعد العقائدي، بل يشير أيضاً إلى حالة الترابط بين قوى المقاومة في إيران ولبنان وفلسطين والعراق واليمن، وهي القوى التي نجحت في فرض معادلات ردع جديدة، أربكت الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، وأثبتت أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة تماماً عن السنوات السابقة.
لقد كشفت الحرب الأخيرة أن الكيان الإسرائيلي، رغم الدعم الغربي الهائل، لم يعد قادراً على حسم المواجهات كما كان في السابق، وأن محور المقاومة بات يمتلك قدرة عالية على إدارة المعارك متعددة الجبهات، سواء عبر الصواريخ الدقيقة أو الطائرات المسيّرة أو حرب الاستنزاف الطويلة.
كما أن دعوة السيد مجتبى الخامنئي إلى تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية تحمل رسالة تتجاوز البعد الديني، لتؤكد أن طهران تسعى إلى بناء نظام إقليمي جديد قائم على المصالح المشتركة والاستقلال السياسي والاقتصادي بعيداً عن الهيمنة الخارجية
إن كلمة السيد مجتبى الخامنئي جاءت لتؤكد أن إيران ترى نفسها اليوم في موقع المنتصر سياسياً واستراتيجياً، وأنها تعتبر ما تحقق في ساحات المواجهة خلال السنوات الأخيرة بدايةً لتحولٍ أوسع في بنية النظام الإقليمي. وبينما تستمر المواجهة المفتوحة في أكثر من جبهة، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة تُرسم فيها خرائط النفوذ والقوة على وقع الصواريخ والطائرات المسيّرة والتحالفات العابرة للحدود، في مشهد يعكس عمق التغيرات التي يعيشها الشرق الأوسط




