
سلام جاسم الطائي / رئيس مركز وطن للإعلام والدراسات الاستراتيجية
لم يكن استشهاد الامام القائد السيد علي الخامنئي حدثاً عادياً في سياق الصراعات الإقليمية والدولية، بل مثّل لحظة اختبار قاسية لقدرة الدولة على الصمود أمام واحدة من أخطر الضربات التي يمكن أن تستهدف أي نظام سياسي. فالرهان لدى خصوم الجمهورية الإسلامية كان يقوم على أن اغتيال رأس الهرم في النظام سيقود إلى إرباك داخلي، ويفتح الباب أمام صراع على السلطة، وربما يُدخل الدولة في مرحلة اضطراب سياسي وأمني طويل. غير أن ما جرى على أرض الواقع سار في اتجاه معاكس تماماً لهذه التوقعات.
فخلال أيام قليلة فقط، نجحت الجمهورية الإسلامية في امتصاص صدمة الاغتيال وإعادة تنظيم المشهد السياسي بسرعة لافتة، لتنتقل الرواية الإعلامية من الحديث عن “ضربة قد تربك الدولة” إلى الحديث عن “انتقال سلطة منظم يؤكد استمرارية النظام وصلابته”. هذا التحول لم يكن مجرد نجاح إعلامي، بل كان تعبيراً عن طبيعة البنية المؤسسية للنظام الذي صُمم منذ قيام الجمهورية الإسلامية على قاعدة القدرة على الاستمرار حتى في ظل أقسى الظروف.
لقد تعاملت مؤسسات الدولة مع الحدث بوصفه أزمة استراتيجية يجب احتواؤها بسرعة قبل أن تتحول إلى عامل تفكك داخلي أو فرصة للضغط الخارجي. لذلك جرى تفعيل آليات انتقال السلطة بسرعة، وتم تقديم اختيار المرشد الجديد باعتباره امتداداً طبيعياً لمسار الدولة وليس استجابة اضطرارية لحدث طارئ. هذه السرعة في حسم ملف القيادة لم تكن مجرد إجراء دستوري، بل كانت خطوة سياسية محسوبة هدفت إلى قطع الطريق أمام أي محاولة لاستثمار لحظة الفراغ أو التشكيك في تماسك النظام.
وفي هذا السياق جاء انتخاب السيد مجتبى الخامنئي القائد الثالث للثورة الاسلامية ليحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة مفادها أن النهج مستمر وأن مشروع الدولة لا يرتبط بالأفراد بقدر ما يرتبط بالمبادئ التي قامت عليها الثورة. فقد مثّل هذا الانتخاب مبايعة متجددة لمبادئ الثورة الإسلامية، وتأكيداً على أن السياسات الإقليمية والدولية للجمهورية الإسلامية لن تتبدل برحيل القادة، بل ستبقى محكومة بالثوابت التي أرساها الإمام القائد الراحل
لقد أرادت الجمهورية الإسلامية أن تقول إن اغتيال قيادتها لا يعني إضعافها، بل قد يتحول إلى عامل يدفعها إلى توسيع دائرة الرد وتعزيز حضورها في معادلة الصراع. فالدولة التي استطاعت خلال أيام قليلة أن تنظم انتقال السلطة في أعلى هرمها السياسي، هي نفسها الدولة التي تمتلك منظومة قوة متكاملة تشمل قدرات عسكرية متقدمة، ونفوذاً إقليمياً واسعاً، وشبكة حلفاء عابرة للحدود، واقتصاداً اعتاد العمل تحت ضغوط العقوبات.
هذا الحسم السريع لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل جاء بمثابة صفعة قوية للمراهنات التي كان يتمناها ترامب وحكومته وكيان الاحتلال و التي كانت تنتظر انهيار الدولة أو دخولها في صراع أجنحة داخلي. وبذلك أثبتت الجمهورية الإسلامية مرة أخرى أن مفاتيح القرار فيها لا تُصنع في واشنطن، وأن محاولات فرض الإرادة من الخارج تصطدم دائماً ببنية نظام قادر على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج توازنه في أكثر اللحظات حساسية.
وفي ظل هذه المعادلة الجديدة، تبدو الرسالة التي أرادت الجمهورية الإسلامية إيصالها واضحة إن الدولة التي تستطيع أن تدير أخطر أزماتها خلال أيام، وتعيد إنتاج قيادتها بسرعة، وترد في الوقت نفسه بضربات تعيد تثبيت الردع، هي دولة لا يمكن إخضاعها بسهولة في معادلات الصراع الإقليمي والدولي.




