محلي

معادلة هرمز – باب المندب: حين تتحول الممرات البحرية إلى أداة لإعادة رسم ميزان القوة

سلام جاسم الطائي مدير مركز وطن للإعلام والدراسات الاستراتيجية

يشهد الشرق الأوسط في هذه المرحلة واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ عقود، مع تصاعد التوترات العسكرية واتساع نطاق المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى. وفي قلب هذا المشهد يبرز عامل استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في الممرات البحرية الدولية، التي لم تعد مجرد طرق للتجارة والطاقة، بل تحولت إلى أدوات ضغط جيوسياسي قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة في النظام الإقليمي.إعلان انصار الله في اليمن الوقوف عسكرياً إلى جانب طهران، والتلويح بإغلاق مضيق باب المندب في حال توسع المواجهة، يفتح الباب أمام سيناريو استراتيجي غير مسبوق يتمثل في تشكّل معادلة ضغط مزدوج على الاقتصاد العالمي. فإيران تمتلك موقع السيطرة الجغرافية على مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، في حين يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الحيوي المؤدي إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية. وإذا ما جرى تنسيق العمليات بين هذين الممرين، فإن ذلك يعني عملياً وضع جزء مهم من حركة التجارة العالمية تحت تأثير محور إقليمي يمتلك القدرة على تعطيل أو تهديد أهم طرق الإمداد الدولية.هذه المعادلة لا تنبع فقط من الجغرافيا، بل من تطور قدرات الردع لدى القوى المنخرطة في محور المقاومة. فخلال السنوات الماضية عملت إيران على بناء منظومة ردع متعددة المستويات تشمل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية غير التقليدية، فيما طورت القوى الحليفة لها في المنطقة قدرات مشابهة تسمح بفتح جبهات ضغط متزامنة. ومع دخول اليمن على خط المعادلة البحرية، يصبح البحر الأحمر جزءاً من مسرح الصراع الاستراتيجي، وليس مجرد ساحة ثانوية.وفي هذا السياق، تأتي التحذيرات الإيرانية الموجهة إلى حكام الإمارات لتؤكد طبيعة المرحلة الجديدة، حيث ترى طهران أن أي بنية تحتية أو موانئ تُستخدم كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية ضدها قد تتحول إلى أهداف ضمن معادلة الردع المتبادل. وترافق هذه التحذيرات دعوات للمدنيين والعاملين في الموانئ إلى الابتعاد عن المواقع الحساسة، في إشارة إلى أن المنطقة قد تدخل مرحلة يصبح فيها الأمن الاقتصادي والبنية التحتية جزءاً من معادلة الصراع.غير أن البعد الأعمق لهذه التطورات لا يتعلق فقط بالمواجهة العسكرية المباشرة، بل بتحول بنيوي في طبيعة الصراع الإقليمي. فالقوى التي كانت تُتهم سابقاً بالاعتماد على الحروب غير المتكافئة باتت اليوم تمتلك أدوات تأثير استراتيجية تطال الاقتصاد العالمي نفسه. وهذا التحول يعني أن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة داخل حدود دولة أو جبهة، بل ستنعكس على الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد والطاقة.من هنا يمكن القول إن معادلة “هرمز – باب المندب” تمثل اليوم أحد أهم أوراق القوة في يد محور المقاومة، لأنها تنقل المواجهة من مستوى الاشتباك العسكري التقليدي إلى مستوى الضغط الاستراتيجي على النظام الاقتصادي الدولي. وفي عالم يعتمد بشكل كبير على تدفق الطاقة والتجارة عبر الممرات البحرية، فإن التحكم بهذه العقد الجغرافية يمنح من يمتلكها قدرة كبيرة على فرض معادلات ردع جديدة.وبذلك تدخل المنطقة مرحلة مختلفة من الصراع، مرحلة لم تعد فيها القوة تقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الترسانة العسكرية، بل بمدى القدرة على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي. وإذا استمر هذا المسار في التصاعد، فإن الشرق الأوسط قد يكون على أعتاب تحولات استراتيجية عميقة تعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في الإقليم لسنوات طويلة قادمة

زر الذهاب إلى الأعلى