
سلام جاسم الطائي
باحث بالشأن السياسي
لم يعد يوم القدس العالمي مجرد مناسبة رمزية تُرفع فيها الشعارات أو تُستعاد خلالها خطابات التضامن التقليدية، بل تحوّل عبر العقود إلى محطة سياسية واستراتيجية تعكس التحولات العميقة في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط.
ففي كل عام لقد انطلق يوم القدس في سياق تاريخي خاص عندما دعا إليه الإمام الراحل السيد الخميني (رضوان الله عليه)بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ليكون إعلانًا سياسيًا دائمًا بأن القدس ليست قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل قضية حضارية تتعلق بمستقبل المنطقة وهويتها. ومنذ ذلك الحين لم يعد هذا اليوم مجرد تعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، بل تحوّل إلى رسالة سنوية تؤكد أن فلسطين ستبقى محورًا للصراع ومقياسًا للمواقف السياسية في العالمين العربي والإسلامي.
ومنذ البدايات الأولى، أدركت الجمهورية الإسلامية أن الصراع مع المشروع الصهيوني لا يمكن أن يُدار بالخطاب السياسي وحده، بل يحتاج إلى بناء منظومة قوة متكاملة قادرة على خلق توازن ردع حقيقي في المنطقة. ولهذا استثمرت خلال العقود الماضية في تطوير قدراتها الدفاعية والعسكرية والتقنية، وفي بناء شبكة إقليمية من الحلفاء والقوى المتحالفة التي تشكّل اليوم محور المقاومة، وهو محور يتبنى الدفاع عن حقوق الشعوب المظلومة ومواجهة مشاريع الهيمنة والاحتلال في المنطقة وما نشاهده اليوم من ضربات جوية ضد عمّق الاحتلال الاسرائيلي والقواعد الامريكية في المنطقة خير دليل على وحدة الهدف ومشروعية المقاومة .
وقد تجلت نتائج هذا المسار بوضوح في الضربات التي وجّهتها قوات الجمهورية الإسلامية إلى عمق كيان الاحتلال، والتي شكّلت لحظة مفصلية في مسار الصراع. فهذه الضربات لم تكن مجرد رد عسكري محدود، بل حملت رسالة استراتيجية مفادها أن زمن الحروب التي يشنها الكيان دون أن يتعرض عمقه لرد مباشر قد بدأ يقترب من نهايته.
لقد أظهرت تلك العمليات قدرة منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية على تجاوز طبقات الدفاع المختلفة والوصول إلى أهداف حساسة، وهو ما أحدث تحولًا مهمًا في الإدراك الأمني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وفي هذا السياق جاءت عملية “الوعد الصادق ” لتؤكد هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا، إذ حملت في طياتها رسائل استراتيجية مباشرة مفادها أن الجمهورية الإسلامية لن تتهاون مع أي عدوان يستهدفها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأن قدرتها على الرد لم تعد محكومة بمنطق الدفاع التقليدي، بل أصبحت جزءًا من معادلة ردع إقليمية قادرة على إيصال الرسالة إلى عمق الخصم.
فلم تكن هذه العملية مجرد رد عسكري على حادثة محددة، بل خطوة محسوبة في إطار إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. إذ يشير خطاب القائد الثالث للجمهورية الإسلامية السيد مجتبى الخامنئي أن إيران تسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة تقوم على الرد المباشر على مصادر التهديد ورفع كلفة أي مغامرة عسكرية قد يقدم عليها كيان الاحتلال أو حلفاؤه.
كما أن هذه العملية تسهم في تأسيس توازن رعب إقليمي جديد، حيث بات العدو الإسرائيلي يواجه تحديات غير مسبوقة في قدرته على الحفاظ على معادلة الردع التقليدية التي اعتمد عليها لعقود طويلة. فمع تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة لدى إيران ومحور المقاومة، إذ بات العمق الإسرائيلي نفسه جزءًا من ساحة المواجهة، وهو ما يعكس تحولًا عميقًا في ميزان القوة في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، برز محور المقاومة بوصفه قوة إقليمية متماسكة تمتد جغرافيًا من فلسطين إلى لبنان والعراق واليمن.
هذا الامتداد الجيوسياسي أعاد تشكيل طبيعة الصراع، بحيث لم يعد محصورًا في جبهة واحدة، بل اصبح مواجهة متعددة الساحات، الأمر الذي يضع كيان الاحتلال أمام معادلات ردع معقدة لم يعتد عليها من قبل. وفي هذا الإطار، رفعت فصائل المقاومة الإسلامية في العراق شعار مواجهة المشروع الصهيوني والأميركي، وأسهمت بدورها في معركة الإسناد بقدر ما تسمح به ظروفها وقدراتها، إدراكًا منها أن الحرب التي تتعرض لها آراضي ومنشآت الجمهورية الإسلامية ويتعرض لها الشعب الفلسطيني ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل صراع وجودي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وفرض معادلات إقليمية جديدة تخدم مشروع الهيمنة. ومن هنا فإن دلالات يوم القدس تتجاوز حدود المناسبة السنوية لتصبح جزءًا من خطاب استراتيجي أوسع يؤكد أن قضية فلسطين ما تزال تشكل محورًا أساسيًا في معادلة الأمن الإقليمي.
ومع كل تحول في ميزان الردع تتآكل تدريجيًا الأسس التي قام عليها التفوق الإسرائيلي، ويتقدم الصراع خطوة إضافية نحو مرحلة جديدة يصبح فيها مستقبل الاحتلال ذاته موضع تساؤل استراتيجي مع قرب نهايته الاكيدة التي خطتها دماء درة تاج المجاهدين الشهيد الامام السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه) والشهداء القادة الذين كانوا خط الصد الاول لحماية شعوب العالم الأحرار وعند هذه النقطة تحديدًا تتضح الأهمية الحقيقية ليوم القدس؛ فهو ليس مجرد تذكير بالقضية الفلسطينية، بل تعبير عن حقيقة سياسية مفادها أن مسار التاريخ في هذه المنطقة ما زال مفتوحًا على احتمالات كبرى. وبينما تتغير موازين القوة وتتعاظم كلفة الحروب، تبقى القدس رمزًا حيًا لمعركة العدالة والهوية وبوصلةً تذكّر الأجيال بأن القضايا العادلة قد تتأخر في طريقها إلى النصر، لكنها نادرًا ما تُهزم حين تتجذر في إرادة الشعوب وذاكرة التاريخ وثبات مواقف القادة الحقيقيون من أصحاب المبادئ والقيم الاسلامية الأصيلة




