
سلام جاسم الطائي / مدير مركز وطن للإعلام والدراسات الاستراتيجية
لم تكن المواجهة الأمريكية مع إيران مجرد أزمة عابرة، بل تحوّلت إلى اختبارٍ استراتيجي كشف حدود القوة وأعاد تعريف موازين الردع في المنطقة. دخلت واشنطن هذه المواجهة بسقفٍ مرتفع من الأهداف، من تغيير النظام الإيراني إلى تصفير صادراته النفطية وعزله دوليًا، غير أن مسار الأحداث أفضى إلى نتائج مغايرة، حيث بقي النظام الإيراني متماسكًا، وفشلت محاولات إخضاعه سياسيًا أو اقتصاديًا، كما لم تتمكن الولايات المتحدة من بناء إجماع دولي حاسم ضده، في ظل تباينات واضحة حتى مع حلفائها الأوروبيين.
في الميدان، لم تستطع القوة العسكرية الأمريكية فرض معادلة ردع مطلقة، إذ بقيت الممرات الحيوية، وخاصة مضيق هرمز تحت السيطرة المباشرة للجمهورية الإسلامية ، بينما فرضت القدرات المقابلة واقعًا جديدًا قيّد حركة واشنطن، وجعل قواعدها العسكرية وقطعها الاستراتيجية ضمن نطاق التهديد. هذا الواقع ترافق مع إخفاق في حماية المنظومات المتقدمة بشكل كامل، وعدم القدرة على تحييد القدرات الدفاعية والصاروخية، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى تجنب الانخراط في مواجهة برية مباشرة بسبب كلفتها العالية وتعقيداتها.
سياسيًا، سقط الرهان على الداخل الإيراني، فلم تحدث التحولات التي كانت واشنطن تعوّل عليها، كما فشلت في حشد تحالف أوروبي واسع، الأمر الذي عكس تراجع القدرة على فرض الإرادة الأمريكية بشكل أحادي. وفي الإطار الإقليمي، لم تتمكن من تفكيك محور المقاومة أو كسر تماسكه، بل تعثرت مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الأمريكية، وبقيت ملفات أساسية، كالصواريخ الباليستية والبرنامج النووي، خارج السيطرة أو الحسم.
أما داخليًا، فقد انعكست هذه الإخفاقات على المشهد الأمريكي، حيث تراجعت شعبية ترامب وتآكلت قاعدته السياسية، بالتوازي مع فشله في تحقيق وعوده الاقتصادية، خصوصًا في ملف أسعار الوقود. كما شهدت مؤسسات القرار حالة من الارتباك، تمثلت في استقالات وإقالات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، ما يعكس حجم التباين في إدارة الأزمة وتقدير مساراتها.
ومع تراكم هذه الإخفاقات، انتقل الخطاب الأمريكي تدريجيًا من لغة التصعيد إلى التهدئة، وصولًا إلى القبول بترتيبات ميدانية لم تكن ضمن الأهداف المعلنة، مع محاولة تسويقها كإنجاز سياسي. وهنا تتجلى المفارقة، إذ إن الاستراتيجية التي بُنيت على “الضغط الأقصى” انتهت إلى واقعٍ يفرض التكيّف مع معادلات لم تستطع واشنطن كسرها.
إن مجمل هذه الوقائع لا يمكن قراءته كإخفاقات منفصلة، بل كتحوّل بنيوي أعمق، يكشف أن العقوبات الاقتصادية لم تعد كافية لتحقيق الحسم دون غطاء دولي واسع، وأن التفوق العسكري يصبح محدود الفاعلية حين يواجه أنماط ردع غير تقليدية. كما تعكس هذه التجربة تراجع القدرة الأمريكية على فرض هيمنة أحادية، مقابل صعود توازنات أكثر تعقيدًا، تقوم على تعدد القوى وتداخل المصالح.
في الخلاصة، ما شهده عهد ترامب في هذا الملف لا يختزل بشخصه أو بإدارته، بل يمثل مرحلة انتقالية في النظام الدولي، حيث تتآكل الهيمنة تدريجيًا، وتبرز قوى قادرة على الصمود وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك. لم يعد الصوت الأعلى كافيًا لفرض النتائج، بل باتت الكلمة الفصل لمن يمتلك القدرة على إدارة الصراع طويل النفس، وفرض معادلات ردع تفرض على الخصم الاعتراف بحدوده




