
سلام جاسم الطائي / كاتب وباحث في الشأن السياسي
لم يعد التصعيد بين امريكا وايران يقرأ ضمن سياق التصريحات العابرة أو الضغوط التقليدية، بل بات يعكس نمطاً متكرراً من التلويح بالقوة يتبعه تراجع تكتيكي، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الاستراتيجية الأميركية وحدودها. فالتباين بين سقف التهديدات العالية والانتقال السريع نحو التهدئة يكشف أن أدوات الضغط لا تُستخدم دائماً لشنّ حرب شاملة، بل غالباً ما تكون جزءاً من إدارة تفاوضية معقّدة تُوظَّف فيها القوة كوسيلة لا كغاية.
في المقابل، تُظهر طهران سلوكاً قائماً على تثبيت معادلات الردع، لا من خلال الخطاب فقط، بل عبر توسيع نطاق الردود الميدانية وإرسال رسائل مباشرة في نقاط حساسة، أبرزها مضيق هرمز الذي يشكّل أحد أهم مفاتيح التوازن في الصراع. فالتلويح بإغلاقه أو تهديد الملاحة فيه لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل أصبح جزءاً من استراتيجية شاملة تهدف إلى ربط أي تصعيد عسكري بكلفة اقتصادية عالمية، ما يعقّد حسابات واشنطن وحلفائها.
التطورات الأخيرة، بما فيها استهداف موانئ في الامارات واستهداف حركة السفن، تعكس انتقال الصراع من مستوى الرسائل السياسية إلى مستوى الاشتباك المحسوب، دون الانزلاق حتى الآن إلى مواجهة مفتوحة. وهذا النمط من التصعيد المنضبط يشير إلى أن جميع الأطراف تدرك حساسية الانفجار الشامل، لكنها في الوقت ذاته تواصل اختبار حدود القوة والردع.
السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستعود، بل كيف ستعود. فالمعطيات الحالية توحي بأن أي مواجهة قادمة لن تكون نسخة مكررة من سابقاتها، بل قد تتخذ شكلاً أكثر تعقيداً، يعتمد على أدوات غير تقليدية، مثل الضغوط الاقتصادية، والعمليات المحدودة، والحروب بالوكالة. في الجولة السابقة، لم تنجح محاولات فرض تغيير جذري في سلوك إيران، بل أظهرت قدرة على امتصاص الضغوط وتحويلها إلى أوراق قوة، سواء عبر تثبيت حضورها الإقليمي أو عبر إدارة التصعيد بطريقة مدروسة.
أما على مستوى النتائج، فإن القراءة الواقعية تشير إلى أن ميزان الصراع لم يُحسم في الجولة السابقة، بل أعاد إنتاج نفسه بشكل أكثر تعقيداً. فإيران نجحت في تثبيت موقعها كطرف يصعب إخضاعه، في حين لم تحقق واشنطن أهدافها الكبرى، ما يفتح الباب أمام محاولة جديدة لإعادة ترتيب الأوراق، لكن بشروط مختلفة وأدوات أكثر حذراً.
وعليه، فإن المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء التصعيد ضمن قواعد اشتباك محددة، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع، لكن المؤكد أن أي جولة مقبلة—إن حدثت—لن تكون مجرد تكرار للماضي، بل إعادة تشكيل للصراع بأدوات جديدة وخرائط نفوذ أكثر تعقيداً




