محلي

مأزق واشنطن وصمود طهران… معركة الاستنزاف المفتوحة

سلام جاسم الطائي / كاتب وباحث بالشأن السياسي

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس فقط بحجم الضربات العسكرية أو شدة العقوبات الاقتصادية، بل تحولت إلى معركة مركّبة تتداخل فيها الحسابات السياسية والإعلامية والنفسية مع الوقائع الميدانية. ومع تصاعد التوتر خلال الأشهر الأخيرة، بدأت مراكز القرار الغربية تتعامل مع حقيقة مختلفة عمّا رُوّج له في بداية التصعيد، وهي أن طهران ما زالت قادرة على إدارة الصراع بمرونة عالية، وأن مشروع إخضاعها السريع لم يتحقق رغم الضغوط القصوى التي مورست عليها.

وتكشف التقارير الغربية الأخيرة عن تحوّل مهم في تقييم المواجهة، إذ باتت المؤسسات الأمريكية تدرك أن سياسة “الضغط الأقصى” لم تحقق أهدافها الحاسمة، وأن إيران ما تزال تمتلك قدرة كبيرة على الصمود سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

فالتقديرات الاستخبارية تشير إلى استمرار تماسك مؤسسات الدولة الإيرانية واحتفاظها بجزء كبير من قدراتها الصاروخية، إلى جانب نجاحها النسبي في إدارة آثار العقوبات عبر اقتصاد الأزمات وشبكاتها الإقليمية، وهو ما وضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية؛ إذ يصعب عليها التراجع بعد التصعيد، كما أن الذهاب إلى حرب واسعة يحمل كلفة استراتيجية مرتفعة.

ويظهر هذا الارتباك من خلال التبدل المستمر في المواقف الأمريكية بين التهديد العسكري والدعوات إلى التفاوض، ومحاولات البحث عن تسوية تحفظ صورة الردع الأمريكي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

في المقابل، تراهن إيران على استراتيجية “النفس الطويل”، عبر امتصاص الضغوط وإدارة حرب استنزاف متعددة المستويات لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تشمل الاقتصاد والإعلام والحرب النفسية. وقد برز ذلك بوضوح في تنامي النشاط الإعلامي الإيراني واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإضعاف صورة القوة الأمريكية والتأثير في الرأي العام الغربي.

وعليه، تبدو واشنطن اليوم أمام أزمة تتعلق بكيفية إنهاء الصراع أكثر من كيفية إدارته، بينما تسعى طهران إلى استثمار عامل الزمن وتحويل الصمود إلى مكسب استراتيجي ينعكس على صورة النفوذ الأمريكي في المنطقة والعالم، في ظل صراع مفتوح تبدو فيه معادلات الاستنزاف أطول عمرًا من رهانات الحل السريع

زر الذهاب إلى الأعلى