محلي

حين يتهاوى وهم التفوّق  من حطام الطائرات إلى سقوط الرواية الامريكية

سلام جاسم الطائي / مدير مركز وطن للإعلام والدراسات الاستراتيجية

لم تعد مشاهد حطام الطائرات الأمريكية حدثًا عابرًا في سياق الصراعات الإقليمية، بل تحوّلت إلى دلالات عميقة على تحوّلٍ نوعي في ميزان القوة. فمع إعلان إسقاط طائرة حربية من طراز F-15، وما رافق ذلك من محاولات إنقاذ الطيار المفقود، يتبدّى مشهد مزدوج: من جهةٍ، سردية رسمية تسعى للحفاظ على صورة التفوّق، ومن جهةٍ أخرى، واقع ميداني يفرض نفسه بقوة عبر صور التحطّم ووقائع الاشتباك.

هذا التناقض بين الرواية والواقع لا يقف عند حدود الحدث العسكري، بل يمتد ليضرب في عمق الفكرة التي طالما روّجت لها القوى الكبرى، وهي امتلاك تفوّق عسكري مطلق يتيح فرض الإرادة دون كلفة تُذكر. غير أن ما تكشفه هذه الوقائع هو أن ساحات المواجهة لم تعد كما كانت، وأن أدوات الردع أخذت تتغيّر، سواء من حيث طبيعتها أو من حيث الجهات التي تمتلكها.

وفي هذا الإطار، تبرز قراءة صحيفة “ذي أتلانتك” التي وصفت الحرب مع إيران بأنها تمثل فشلًا استخباريًا حقيقيًا. هذا التوصيف لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تحليل إعلامي عابر، بل هو انعكاس لقلق متنامٍ داخل دوائر القرار الغربي. إذ تشير القراءة إلى خلل عميق في فهم القدرات العسكرية الإيرانية، ليس فقط من حيث الإمكانات، بل من حيث كيفية توظيفها ضمن استراتيجيات غير تقليدية أربكت الحسابات الكلاسيكية.

الأهم من ذلك، أن هذا الفشل لم يكن تكتيكيًا أو مرحليًا، بل كشف عن قصور في تقدير البيئة الإقليمية بأكملها. فالتعامل مع المنطقة وفق قوالب جاهزة، والاعتماد على فرضيات تفوّق غير قابلة للاهتزاز، أدى إلى مفاجآت ميدانية أربكت صناع القرار، ووضعتهم أمام واقع لم يكونوا مستعدين له.

إن التحوّل في الخطاب الإعلامي الغربي، والذي بدأ يتناول حدود التفوّق العسكري بدلًا من التسليم به، يشير إلى نقطة انعطاف مهمة. فحين تنتقل النخبة الإعلامية من الترويج للقوة إلى التساؤل عن حدودها، فإن ذلك يعكس إدراكًا متأخرًا بأن موازين الردع لم تعد تُقاس بالترسانة وحدها، بل بعوامل أكثر تعقيدًا، تشمل الإرادة، والمرونة، والقدرة على خوض حروب غير متناظرة.

وحين تصل الأمور إلى هذا المستوى، يصبح من الواضح أن مرحلة فرض الإرادة من طرف واحد قد دخلت طور التآكل. فالمضائق، كما الجغرافيا السياسية عمومًا، لا تُفتح بالأوامر، بل تُحكم بإرادات الشعوب، وتُضبط وفق معادلات ردع جديدة تتشكّل على وقع الوقائع لا الأمنيات.

إنها لحظة تحوّل، لا في ميدان المعركة فحسب، بل في الوعي السياسي والاستراتيجي العالمي؛ لحظة تُسقط مسلّمات قديمة، وتفتح الباب أمام نظام توازنات أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للهيمنة التقليدية

زر الذهاب إلى الأعلى