
سلام جاسم الطائي
باحث بالشأن السياسي
في لحظةٍ إقليميةٍ بالغة الحساسية، لم تعد الرسائل المتبادلة بين الجمهورية الإسلامية وأمريكا مجرّد تواصلٍ دبلوماسي، بل تحوّلت إلى أدواتٍ محسوبة لإدارة الصراع وضبط مساراته. فالمشهد لم يعد يُدار من خلف الأبواب المغلقة فقط، بل عبر قنواتٍ متعددة، تتقدّمها باكستان كوسيطٍ إقليميٍّ يتجاوز دور الناقل، ليشارك فعليًا في صياغة إيقاع الاشتباك السياسي.
التحرّك الباكستاني لا يأتي في فراغ، بل ضمن سياق إعادة ترتيب شاملة للأوراق. فاللقاءات الأمنية والدبلوماسية مع طهران تمثّل عملية فرز دقيقة للرسائل المتبادلة، منذ الأيام الماضية، تمهيدًا لمرحلةٍ أكثر حساسية تُرسم ملامحها في طهران: تهدئة محسوبة أم إعادة توزيع أدوار تحت ضغط الوقائع الميدانية؟
في هذا السياق، يتحوّل لبنان من ساحة اشتباك إلى ورقة اختبار. فقرار وقف إطلاق النار لم يعد شأنًا ميدانيًا، بل أداة سياسية تُستخدم لفتح أو إغلاق مسارات التفاوض. وإذا ما ثبُت أنّ هذا القرار صيغ في واشنطن ثم نُقل إلى كيان الاحتلال، فإننا أمام نموذج واضح لإدارة الصراع الأمريكي: تجميد الجبهات بدل حلّها، وضبط الإيقاع بدل إنهاء المواجهة.
غير أنّ هذا السلوك لا يمكن فصله عن أزمة الداخل الأمريكي. فالانقسام السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وصعود الخطاب الشعبوي الذي يجد ذروته في شخصية ترامب، كلّها مؤشرات على تحوّل بنيوي عميق. لم تعد أمريكا تتحرّك من موقع الهيمنة الواثقة، بل من موقع إعادة التموضع تحت ضغط التحديات المتراكمة.
ومن هنا، يأتي خيار الحصار كامتدادٍ لأدوات العجز لا القوة. فبعد إخفاقات متكرّرة في تغيير المعادلات، تلجأ واشنطن إلى الحرب النفسية لتحسين شروط التفاوض. إلا أنّ هذه الأداة، كما أثبتت التجارب، لم تعد قادرة على كسر إرادة الخصوم، بل قد تنقلب لتسرّع من تحوّلات التوازنات الإقليمية.
في المقابل، تدير الجمهورية الإسلامية هذا المشهد من موقع الثبات، لا ردّ الفعل. فهي لا تكتفي بامتصاص الضغوط، بل توظّفها لإعادة تشكيل البيئة التفاوضية، مستفيدةً من تماسك جبهتها الداخلية واتساع حضورها الإقليمي. وهنا، لا تبدو التهدئة تنازلًا، بل جزءًا من إدارة زمن سياسي محسوب.
أما باكستان، فليست مجرّد وسيط، بل لاعب يسعى لترسيخ موقعه في معادلة إقليمية جديدة، مستفيدًا من قدرته على التواصل مع مختلف الأطراف، ومحاولًا تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي فعّال.
الخلاصة أنّ ما يجري ليس تبادل رسائل عابر، بل إعادة رسم لقواعد الاشتباك. المنطقة لا تتجه إلى حرب شاملة، ولا إلى سلام مستقر، بل إلى مرحلة إدارة دقيقة للتوازنات، حيث تُكتب الوقائع بالنار حينًا، وبالتفاوض حينًا آخر. وفي مثل هذا المشهد، لا يكون الحسم لمن يرفع السقف أكثر، بل لمن يُحسن إدارة الزمن… حتى يفرض شروطه في النهاية




