
سلام جاسم الطائي/كاتب وباحث بالشأن السياسي
تشير المعطيات السياسية والميدانية إلى أن محور المقاومة، بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نجح في تحقيق تقدم استراتيجي متعدد الأبعاد، شمل الساحات العسكرية والدبلوماسية والسياسية، وصولاً إلى ميدان التفاوض الذي بات يعكس تحولاً واضحاً في موازين القوى الإقليمية. هذا التحول لم يكن نتيجة ظرف طارئ، بل ثمرة مسار طويل من بناء عناصر القوة وتعزيز معادلات الردع وترسيخ الحضور في الملفات الحساسة للمنطقة.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الجمهورية الإسلامية لم تعد تتعامل مع الضغوط الغربية والأمريكية من موقع الدفاع، بل انتقلت إلى موقع المبادرة السياسية، مستفيدة من تماسك حلفائها وقدرتها على إدارة الأزمات وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فالميدان فرض معادلاته، والسياسة جاءت لتكرّس ما أُنجز على الأرض.
وفي هذا السياق، تكتسب الجولة الجديدة من المفاوضات بين طهران وواشنطن أهمية خاصة، إذ يُتوقع انعقادها يوم الأحد في باكستان، في مؤشر واضح على استمرار المسار التفاوضي ضمن شروط جديدة. فالمفاوضات لم تعد محكومة بمنطق الإملاء الأمريكي، بل أصبحت خاضعة لمعادلة الندية السياسية والاعتراف بوزن الجمهورية الإسلامية كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه.
اختيار باكستان لاستضافة هذه الجولة يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب البروتوكولي، إذ يكشف صعود الدور الباكستاني كوسيط إقليمي فاعل، بعد نجاحه في المساهمة بجهود التهدئة ووقف الحرب الممتدة من إيران إلى لبنان. وهذا التطور يعكس بروز قوى إقليمية جديدة قادرة على التأثير في صناعة القرار، بعيداً عن الهيمنة الغربية التقليدية.
أما المتغير الثاني، فيتمثل بالموقف الأوروبي الذي اتسم بالحذر ورفض الانخراط في الحرب، وعدم الاستجابة للضغوط الأمريكية الرامية إلى توسيع دائرة المواجهة. ويشير ذلك إلى وجود إدراك أوروبي متزايد بأن سياسات التصعيد لم تعد قادرة على فرض نتائجها، وأن الاستقرار الإقليمي يمر عبر التفاهمات السياسية واحترام الوقائع الجديدة.
وفي موازاة ذلك، جاء إعلان وزير الخارجية الإيراني حرية الملاحة في مضيق هرمز خلال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، وفق المسارات المنسقة مع الجهات البحرية المختصة، ليؤكد أن الجمهورية الإسلامية تمسك بأحد أهم مفاتيح الأمن البحري العالمي. فالرسالة هنا سياسية بقدر ما هي اقتصادية، وتؤكد أن طهران قادرة على إدارة الملفات الحساسة بمسؤولية وسيادة وثقة.
إن مجمل هذه التطورات يؤكد أن محور المقاومة دخل مرحلة جديدة، انتقل فيها من موقع الاحتواء إلى موقع التأثير، ومن رد الفعل إلى صناعة المبادرة. فالجمهورية الإسلامية اليوم لا تفاوض تحت الضغط، بل تفاوض من موقع القوة، ولا تدير الأزمات فقط، بل تساهم في رسم مستقبل المنطقة وتحديد معادلاتها القادمة




