
سلام جاسم الطائي / كاتب وباحث بالشأن السياسي
في كل مرة يُطرح فيها ملف “حصر السلاح” داخل العراق، يُقدَّم النقاش للرأي العام بوصفه قضيةً أمنيةً أو إداريةً مرتبطة ببناء الدولة وفرض القانون، غير أن القراءة الأعمق لطبيعة الصراع السياسي في المنطقة تكشف أن المسألة تتجاوز هذا الإطار التقليدي، لتتحول إلى عنوانٍ لصدامٍ بين مشروعين متناقضين في الرؤية والوظيفة والمآلات.المشروع الأول تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها ضمن رؤيةٍ أمنيةٍ إقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل بيئة الشرق الأوسط بما ينسجم مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، عبر تفكيك عناصر القوة التي تشكل تهديدًا لمعادلات الردع القائمة. ومن هنا، فإن التركيز على ملف السلاح في العراق لا يُفهم فقط باعتباره جزءًا من إعادة تنظيم المؤسسة الأمنية، بل يدخل ضمن سياق أوسع يهدف إلى إعادة هندسة التوازنات الداخلية وتقليص قدرة القوى الرافضة للهيمنة الخارجية على التأثير في القرار السياسي والأمني.أما المشروع الثاني، فهو مشروع عراقي وطني يرى أن قضية السلاح لا يمكن فصلها عن سياق الاحتلال والتدخلات الخارجية والانتهاكات المستمرة للسيادة العراقية. هذا الاتجاه ينطلق من اعتبار أن وجود أي قوات أجنبية غير خاضعة لإرادة الدولة العراقية الكاملة يمثل إشكالية سيادية ودستورية، وأن المقاومة بمختلف عناوينها تشكل رد فعل مرتبطًا بفكرة الدفاع عن الاستقلال الوطني، لا مجرد ظاهرة أمنية منفصلة عن السياق السياسي والجيوسياسي المحيط بالعراق.إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في مبدأ تنظيم السلاح بحد ذاته، فالدولة بطبيعتها تسعى إلى احتكار أدوات القوة ضمن إطار القانون، وإنما تكمن في طبيعة البيئة السياسية التي يُطرح فيها هذا الملف، والجهات التي تدفع باتجاهه، والتوقيتات الإقليمية المصاحبة له. فحين يُطرح “حصر السلاح” تحت ضغط أمريكي مباشر، أو ضمن أجندة ترتبط بأمن الكيان الإسرائيلي، فإن قطاعات واسعة من القوى السياسية العراقية تنظر إليه باعتباره جزءًا من مشروع احتواء سياسي وأمني، وليس مجرد خطوة إصلاحية داخلية.كما أن التطورات الإقليمية الأخيرة، وخاصة تصاعد الصراع بين واشنطن وطهران، جعلت العراق ساحةً مركزية لتقاطعات النفوذ والمصالح. وفي ظل هذه البيئة المعقدة، بات ملف السلاح يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل التوازنات داخل الدولة العراقية، وبقدرة بغداد على الحفاظ على قرارها المستقل بعيدًا عن الاصطفافات الحادة.وفي المقابل، فإن القوى التي تتبنى خطاب السيادة الوطنية تدرك أيضًا أن استمرار حالة التداخل بين الأطر العسكرية والسياسية والأمنية يحتاج إلى معالجات عراقية داخلية بعيدة عن الإملاءات الخارجية. ولهذا يظهر الحديث عن إمكانية الوصول إلى “مشروع وطني عراقي خالص” يعالج هذا الملف وفق رؤية تنطلق من المصلحة العليا للدولة، وتستند إلى تفاهمات داخلية ورؤية المرجعية والقوى السياسية الوطنية، لا إلى ضغوط السفارات أو الحسابات الدولية.إن مستقبل هذا الملف سيبقى مرتبطًا بقدرة العراقيين على إنتاج صيغة توازن تحفظ هيبة الدولة من جهة، وتحمي القرار السيادي من جهة أخرى. فالعراق يقف اليوم أمام معادلة دقيقة؛ إما أن يتحول ملف السلاح إلى أداة صراع تُستخدم لإعادة تشكيل الخارطة السياسية وفق الرؤية الخارجية، أو أن يُدار ضمن مشروع وطني جامع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة وقوى المقاومة ضمن إطار السيادة والمصلحة العراقية العليا.وفي ظل التصعيد الإقليمي المستمر، يبدو أن الجدل حول “حصر السلاح” لن يبقى مجرد نقاش داخلي، بل سيظل جزءًا من معركة أوسع تتعلق بموقع العراق في خارطة التوازنات الإقليمية والدولية، وبطبيعة هويته السياسية والسيادية في المرحلة المقبلة




