سياسة

الحكومة الجديدة … بين الاستحقاق وتحديات المرحلة

سلام جاسم الطائي
كاتب وباحث بالشأن السياسي

يمثل تكليف رئيس الجمهورية للسيد علي الزيدي، مرشح الكتلة الأكبر عدداً، بتشكيل الحكومة العراقية محطة سياسية مفصلية تأتي في ظرف بالغ الحساسية داخلياً وإقليمياً، حيث تتشابك الملفات الأمنية مع التعقيدات السياسية والضغوط الاقتصادية، ما يجعل مهمة الحكومة المقبلة أكبر من مجرد تشكيل كابينة وزارية، بل مشروعاً وطنياً لإعادة ترتيب أولويات الدولة وتعزيز ثقة المواطن بالمؤسسات.
وفي أول بيان رسمي له، أكد الزيدي أن خيار الإطار هو خيار الجميع، وأن دعم الإجماع مسؤولية وطنية تفرضها حساسية المرحلة ودقة التحديات، في إشارة واضحة إلى أهمية الحفاظ على وحدة الموقف السياسي، وتحويل التوافق القائم إلى قاعدة انطلاق نحو برنامج حكومي واضح وفاعل.
فعلى المستوى الأمني، لا يزال العراق يواجه تحديات مستمرة تتعلق بحماية الحدود، ومنع عودة الخلايا الإرهابية، والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود، إلى جانب ضرورة ترسيخ الاستقرار الداخلي وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية والاستخبارية. كما أن المرحلة تتطلب إدارة متوازنة لهذا الملف بما يحفظ سيادة العراق ووحدة أراضيه ويمنع أي محاولة للمساس بأمنه الوطني.
أما على المستوى السياسي، فإن رئيس الوزراء المكلّف سيكون أمام اختبار حقيقي في إدارة التوازنات بين القوى السياسية، واحتواء الخلافات، وبناء شراكات وطنية تتجاوز منطق المحاصصة التقليدي نحو معيار الكفاءة والإنجاز. فالعراقيون اليوم ينتظرون حكومة تمتلك قرارها، وقادرة على اتخاذ خطوات إصلاحية جريئة، وتفعيل مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الانسداد أو التعطيل التي رافقت مراحل سابقة.
وفي الجانب الاقتصادي، فإن التحديات لا تقل أهمية عن غيرها، إذ يتطلب الواقع الحالي تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وتحريك القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، ومعالجة البطالة، وتحسين بيئة الاستثمار، فضلاً عن مكافحة الفساد المالي والإداري الذي استنزف موارد الدولة لسنوات طويلة. كما أن ملف الخدمات، من كهرباء وماء وصحة وتعليم وبنى تحتية، سيبقى معيار النجاح الأول لأي حكومة مقبلة.
إن نجاح الإطار التنسيقي، بوصفه صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر، لا يُقاس فقط بقدرته على تمرير حكومته داخل البرلمان، بل بمدى قدرته على تحويل التوافق السياسي إلى مشروع عمل حقيقي يلامس حياة المواطنين، ويعيد للدولة هيبتها، وللمؤسسات فاعليتها، وللشارع ثقته.

العراق اليوم لا يحتاج حكومة لإدارة الأزمات فحسب، بل حكومة لصناعة الحلول، تدرك حجم التحديات، وتمتلك الإرادة في مواجهتها، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، لتكون هذه الخطوة بداية فعلية لمسار يلبّي تطلعات المواطنين ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً وازدهاراً، يكون فيها العراق قوياً مقتدراً قادراً على مواجهة تحديات المرحلة الراهنة

زر الذهاب إلى الأعلى